الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
26
نفحات القرآن
2 - قال تعالى في موضع آخر : « اذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَاخرَجَتِ الْأَرْضُ اثْقَالَهَا » . ( الزلزال / 1 - 2 ) وهنا يطرح هذا السؤال هل أنّ هذه الزلزلة هي نفس الزلزلة التي تعمّ جميع أنحاء الكرة الأرضية عند نهاية الكون وتؤدّي إلى تدمير العالم بأسره ؟ أم أنّها هي التي تقع أثناء يوم القيامة ؟ هناك اختلاف بين المفسرين بصدد هذه الآية ولقد نقل الفخر الرازي في تفسيره كلا التفسيرين « 1 » ولكن إذا تأملنا الآية الثانية من هذه السورة : « وَاخرَجَتِ الْأَرْضُ اثْقَالَهَا » لكان المعنى الثاني هو الأنسب مع سياق الآية ، وذلك لأنّ ( الأثقال ) جمع ( ثَقَل ) أييخرج كل ما دفن في الأرض ، وهناك احتمال قوي أنّ المراد بالأثقال الموتى حيث يخرجون من قبورهم كما ورد في قوله تعالى : « وَالْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ » . ( الانشقاق / 4 ) وبهذا المعنى تحدث الزلزلة الثانية قبل إحياء الأموات وشروع القيامة ، وهذه الزلزلة تعمّ كل الكون على خلاف سائر الزلازل التي تتحدد بمنطقة صغيرة ، فإنّ تعبير : « اذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ » يفيد الاطلاق وتعبير زلزالها يؤكد هذا المعنى . ولقد ورد ما يشابه هذا التعبير بل وبصورة أوضح في قوله تعالى : « يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ » « 2 » . ( ق / 44 ) ويتضح من الآيات أعلاه أنّ انشقاق الأرض بأسرها وخروج الناس دفعة واحدة من قبورهم يكون متزامناً مع وقوع زلزلة عنيفة تشمل كل أرجاء العالم . إنّ هذه الزلزلة تقع قبيل إحياء الأموات وليس في نهاية العالم خاصة ، وقد ورد في الآية تعبير ( حشر ) بدلًا من إحياء الأموات ، والحشر يعني ( اجتماع الناس بعد إحيائهم أو جمع أجزاء الأبدان المتفرقة أو جمع الأرواح والأجساد ) . إنّ هذه الزلزلة وعلى خلاف سائر أنواع الزلازل زلزلة بناء وإعمار ، فهي ليست مدمرة أو مميتة بل إنّها تأتي لإخراج الناس من قبورهم ليستأنفوا حياة جديدة .
--> ( 1 ) . التفسير الكبير ، ج 32 ، ص 58 . ( 2 ) . « تُشقق » ، كانت في الأصل تتشقق فحذفت احدى التائين .